تهافت التفاهة
لكل زمان رجال، ولكل مقام مقال، وليس كل ما يعرف يقال...
مبادئ نعرفها كما نعرف أسلوب الكتابة الرصين، حتى بدأت تلك المبادئ تضمحل أمام تنامي أقلام لا تساوي سعر أحبارها، فهل أصبح زماننا زمن هؤلاء الرجال ممن لا يوفق لمقال ولا يدرك لحال،
إن مادفع تلك الرؤوس الممسوخة إلى أن تشرأب وتشرف علينا بطلتها الموبوءة هو قلة الحصيلة الثقافية للقارئ الذي أصبح من السهل أن يخدع، فباتت ذائقته تستحسن القبيح وتمج الحسن لكثرة الخبيث، النفس البشرية جبلت على عداء ما لا تدرك فكما يقال "الانسان عدو ما يجهل"، أصبح القارئ يجهل الكثير والكثير فأصبح عدائي بطبعه لكل هادف، ومبتسم وراضي عن كل تافهه.
فيكتب ذلك الكتاب الفذ مقالة كيف تعرف شخصيتك من لونك المفضل، فيفرح القارئ أيما فرح لكون لونه المفضل هو البنفسجي الذي يدل على قوة الملاحظة و يا ليته لاحظ انعدام شخصيته ،فالشخصية التامة هي الشخصية الناقدة ذات البصيرة النافذة التي تدرك الغث من السمين، وبالعودة لكاتبنا محلل (الشخصية) ذلك المصطلح الذي حير عتاة علماء النفس، هل تبني وتكتسب الشخصية أم تورث، ما مدى تأثير قوة القلق وسرعة الانفعال عليها وكيفية تحديد ملامحها وقياس انطباعتها إلى أخر الجدل السايكولوجي المعروف، فيأتي ذلك الكاتب الفذ ليحدد الشخصية من لون، محاولة منه مغازلة من يحبون اللون الوردي، دون أن يعتمد على أي بحث أكاديمي لموضوع مقالته، ولكن ما جرأه أن كثير من القراء سوف يحب الفكرة كون شخصياتهم بنفسجية ووردية وبرتقالية وهي شخصيات مميزة كما يرى الكاتب،
ما أجمل أن يقوم ذلك الكاتب ببحث ويكتب بموجبه عن ملامح الشخصية وكيفية طرق تلمس نقاط القوة والضعف فيها، ليثري عقل القارئ بما هو مفيد، لكن هيهات ففاقد الشيء لا يعطيه، فذلك الكاتب الألمعي حصيلته العلمية عرجاء لا تستوي على ساق وبضاعته مزجاة من مواقع إلكترونية ومنتديات ذات أقلام مبهمة.
هذه الآفة الأولى، أما الطامة الأخرى والفاجعة المره هي النوع الثاني من الرجال في زماننا ممن تصدروا بعلم ولكن دون عقل، فما أكثر ما نرى ممن أدبه وافر وعقله نافر، وازدياده في العلم كازدياد الماء العذب في أصول الحنظل، كلما ازداد رياً ازداد مرارة، فعقله الناقص لا يضع الأمور مواضعها، فهو يكيف العلم كيف أراد ويلويه لمن يدفع أكثر، ولو كان عاقل لعرف العلم إن صحبته زانك، وإن احتجت إليه مانك، وإن استعنت به أعانك، ولله در عمر بن عبد العزيز حين قال: "تعلموا العلم فإنه عون للفقير، أما أني لا أقول يطلب به الدنيا ولكن يدعوه للقنوع"، أما من أتخذ علمه وقلمه مطيه ليصل بها الى غرض في نفس يعقوب، فنراه خطاء بعد اجتهاد، وصوابه من غير اعتماد.
فهمستي إلى ألوا النهى والألباب قاطعوا كل تافه، فقطيعة الجاهل تعدل صحبة العاقل، واقرأوا في كل الأراء فمن استقبل وجوه الآراء عرف مواقع الخطأ.
جراح مبارك
كتبه في 31/3/2010